متمرّدةٌ في جزيرة حفيظ
تك تك تك، فتحَت رشا عينيها السوداوَين الواسعتَين بسعادة غامرة، إنه اليومُ الموعودُ، اليومُ المنتظَرُ الذي انتظرَتهُ منذُ سنين.
فقفزت كالفراشة من فِراشها، تغنّي وترقصُ، ثم صاحَت لزوجها حسام حتى يستيقظَ، فتنهّدَ الأسمرُ وفي عينيه الناعستين أوجس حزنه وخوفه من رحلته الخطيرة، ورد على زوجته قائلاً: نعم يا نرجستي الجميلة، تلك عينا الريم اللتان أشعلتا قلبي، جعلتاني متيماً فاتبعتُكِ ورضيتُ أن أرميَ نفسي إلى التّهلكة وأنا راضٍ.
ثم أكملَ بتحسُّرٍ وخوفٍ: فاسعَدي يا ريمي، هذا يومُك!
فضحكَت ولملمَت شعرَها المجعّدَ البنيَّ المتناثرَ على وجهها كالقمر عندما تمرُّ غيومٌ خلالَهُ، وقالت له مبتسمةً وبثقة عالية: سنعود.
وأكملت: بعد تسعة أيام سنعودُ إلى هنا، ولكن بذكرياتٍ رائعة ومثيرة.
فتبسّمَ بحيرة وحسرة! لا يستطيعُ أن يتراجعَ عن عهده!
قال لها وقد أجبرَه الحبُّ على قبول المغامرة الصّعبة:
نعم، إن شاءَ اللهُ نعودُ بخير، وكما قال شاعرُنا قيس بن الملوح:
أَهابُكِ إِجلالاً وما بكِ قدرَةٌ
عَلَيَّ وَلكنْ ملءُ عينٍ حبيبُها .
فمشت تتراقصُ وتلفُّ بطولها الممشوقِ حولَه، محاولةً أن تنسيَهُ خوفَه ويعودُ متأملاً الخيرَ بدل التّذمّر والخوفِ واليأس الذي يسيطرُ عليه.
حملت حقائبَها ولكن لم يسمحْ لها بحملهم لأنهم بأوزان وأحجام كبيرة، فأخذهم منها ونقلَهم مع حقائبه إلى السيارة، تلك الحقائبُ التي حضّرَتهم منذُ أسبوعَين، ما بين تسوّقٍ وتفكير وتغييرٍ حتى وصلَت لاقتناعِها بهم أخيراً. فأصبحت تركضُ كالصّاروخ، وبينما هي تمشّطُ شعرَها بمشطها الخشبيّ، وتريدُ أن تحضّرَ الفطورَ، هيّأت كلَّ أمورِ مغامرتها الكبيرة، فهذا هو اليومُ الذي انتظرَتهُ منذُ سنة ٢٠١٩ حين أقامَ لها والدُها حفلةً لعيد ميلادها العشرين في 1 اذار، فقد أخبرتها حينها ابنةُ خالتها عن جزيرة في نهر دجلةَ في بابل كثيفةِ الأشجار ومليئةٍ بالألغاز الغريبة، حيث تصدرُ الطيور أصواتاً منوّعةً وكثيرةً معَ الحيوانات، بصوت ذي طابعٍ رومانسيّ حزين، وخصوصاً صباحاً، فهم يعزفون بصوت عذبٍ كآلة النّاي والقيثارة، وكذلك تمتلئُ الجزيرةُ بالثّمار المرميّةِ كالمروج والتّلال، ولكنّها ملونةٌ بكلّ الألوان البرّاقة السّاحرة ، وأخبرَتها أيضاً ابنةُ خالتها أن صاحبَ الجزيرة اتفقَ معهم بأنه لا يجوزُ لمسُ أية ثمار، ولهم الحقُّ بالمشي والمشاهدةِ فقط، وكوخُ الجزيرة يمتلكُ كهرباءَه وأدواتِه الخاصةِ التي تعطيهم كلَّ مستلزمات الحياة الضّروريةِ كالإضاءة والتّبريد والتّسخين وكلّ كاميرا أو هواتف وما شابهَ ذلك تتعطلُ وتتحولُ إلى حجارة، لذا أمرَ بعدم جلب أية آلات، أما سيارتُهم فقبيلَ دخولها الجزيرةَ عليهم تركُها على الحدود ثمّ يتمُّ توصيلُهم بخيول الجزيرة معَ عربتها.
(فتلك الجزيرةُ مملوكةٌ من قِبَلِ ماردٍ اسمُه حفيظٌ وكل شيء فيها له، ولكن هناك ساحرٌ اتفقَ معَه وأجبرَه على أن تكونَ الجزيرةُ سياحيةً بعدما كانت مخفيةً لآلاف السّنين! بشرط أن من يسيءُ لأرضه سيعاقبُه الماردُ بطريقته! ووافقَ الساحرُ فما يهمُّه هو كسبُ الأموال!) وبقيت في نفسها تلك الأمنيةُ حتى تزوّجَت من رجلٍ كان يعشقُها وهي أحبَّته أيضاً، لكن طلبَت منه أن يحقّقَ لها حلمَها إذا تزوّجَته، ورغمَ خوفه من المغامرات، إلا أنه وافقَ، فلا يمكنُهُ الاستغناءُ عن حبّ حياته، لكنّهُ طلبَ منها أيضاً أن يكونَ في يوم عيد ميلادها ليكون هديتَه التي يعرفُ أنها أجملُ هديةٍ يقدّمُها لها، وأيضاً في آذارَ يقال إن المارد يقلُّ نشاطُه في جزيرته! فوافقَت. وعاد يوم ميلادها في ٢٠٢٢ وتحقّقَ حلمُها اليوم.
وقبل دخول الجزيرة ذهبا لصاحب الجزيرة(الساحر) واتفقَ معهم الأخيرُ على أن أي شيء يحصلُ لهم، هو غيرُ مسؤولٍ! فالجزيرةُ غيرُ صالحةٍ للسّكن وإنما للمغامرين! فقبلَ الزوجُ بمرارةٍ لأجل زوجته الغالية المتفائلةِ وبدون تردد.
تركا مدينتهما بغدادَ ليغامرا بكل ما يملكانه من صحة وسعادة، فدخلا الجزيرة بعربة الخيول ووصلا إلى البيت الخشبي (الكوخ) المحيط بالبركة الزرقاء الصافية، وفوقهما وحولهما الكثيرُ من الحيوانات الغريبة، بذيول طويلةٍ كالفأر، رغم أنّ بعضَها يملكُ جناحَين، ومنها صغيرةٌ ومنها كبيرةٌ، وأخرى رؤوسُها كالضّفادع وألوانُها متغيرةٌ في كلّ وقت، دخلت إلى كوخها ووجدَت الجدرانَ مزيّنةً بلوحاتٍ يتخللُها الترابُ، فكلما أمسكَت واحدةً نزلَ الترابُ ولوّثَ الأرضيةَ، ولكن سرعان ما تشربُهُ الأرضُ وتعودُ الأرضيةُ نظيفةً، فقالت لزوجها بِحِيرةٍ: لمَ الجدرانُ ممتلئةٌ بالتراب والأرضُ نظيفةٌ جداً رغم أنهم جميعاً من الخشب؟! أو كما يبدو أنهم من الخشب! قال لها زوجُها وهو مرتعبٌ من فضولها: هكذا هي الجزيرةُ! أرجوكِ كما اتفقَ معنا صاحبُها، أرجوكِ التزمي ولا تغيّري شيئاً فيها ولا تأخذي شيئاً، نريدُ أن نرجعَ لبيتنا سالمين!
فقهقهَت ضاحكةً وقالت: لا تخفْ يا عزيزي سنرجعُ إن شاءَ الله آمنين!
وبدأت تكتشفُ الكوخَ الخشبيّ وما حوله فشعرَت بالجوع وأخرجَت من طعامِها وقالت بنفسها متحسّرةً: كيف نأكلُ طعاماً قديماً وأمامَنا هذه الخضارُ والفواكهُ الناضجةُ الطّازجةُ الزاهية! ثم تبسّمَت وقالت لا، يجب أن أفيَ بوعدي، فلستُ الوحيدةَ التي ستُضَرُّ إذا غامرَت بأيّ تصرّفٍ ضدَّ اتفاقنا معَ صاحب الجزيرة، يجبُ أن أفيَ بوعدي.
وعندما حلَّ الظّلامُ بدأت الأنوارُ تظهر كالشّموع، والجوّ منعشٌ بعطور الزّهور الجميلة، وتغيرت أصواتُ الطّيور أو كأنها طيورٌ، وأصبحَت بأصواتٍ كعزفِ سمفونيةِ بحيرة البجع وإنما أجمل!
وهكذا بقيت تجبرُ نفسَها طوالَ أيام الأسبوع، وتكتفي بالمشاهدة حتى آخر يوم، وقبلَ مغادرتها أخرجَت سمكةً مشويةً حضّرتها من البيت وخزّنتها في مجمّدة الكوخ الخاصّة، فسخّنتها على موقدٍ من الخشب ووضعتها أمامها.
لكنّها فكّرت وقالت في نفسها: ماذا سيحصلُ مثلاً لو خرجتُ وأخذتُ فاكهةً من أرض الجزيرة، فالحياةُ آمنةٌ لأسبوع و الساحر ما أدراهُ بما سنأخذُه! فنظرت إلى حديقة الكوخ المقسّمة ما بينَ فواكهه وخضارٍ ملوّنةٍ وطريقٍ للمارّة، وبكلا الجانبَين تحيطُ بكوخها بركةُ مياه تلألأ ماؤُها فقفزَ عليها ضفدعٌ سمينٌ أحمرُ بجناحَين طويلَين، ووقفَ على يدها وتراجعَت رشا خوفاً، ساندةً ظهرَها على جدارِ الكوخِ ثم نفضَت يدَها، ولكنّها رأت كأنه ينظرُ إليها بتوسّلٍ وعيناهُ دامعتان! ثمّ طار الضّفدعُ مبتعداً مع الطّيور التي أصابَها الجنونُ حول البيت، تصرخُ بأصواتٍ رنانةٍ، فشعرَت كأنهم يقولون لها: ارجعي.. قفي يا متمردة! فخرج زوجُها وقال لها متعجباً منها ومن الحيوانات: ماذا حصل؟! هل أنتِ بخير؟!
مشت معه عائدةً وانحنت ملتقطةً من الأرض تلك التفاحةَ الحمراءَ الشهيةَ، فأصاب حساماً الذعرُ وأخذ التفاحةَ من يد زوجته ورماها على الأرض، وأمسك بزوجته وهرولَ داخلَ كوخه يرتجفُ، وهي بقيت في حيرةٍ وصدمةٍ على ما فعلَت! وأصبحت الأرضُ تهتزُّ وأصواتُ الحيوانات اختفَت، وبعد دقائقَ نظرت إلى سمكتها المشوية، وقد عادَت للحياة لكنها بعينين حمراوَين ولسانٍ طويلٍ كلسان الأفعى، وفي كل ثانية يزيدُ طولُها وتزيد السمكةُ بياضاً حتى فتحت ثقباً في أرضية الكوخ لتنزلَ في البركة، والتفّت حولَ البيت وارتجّت الأرضُ، وهرب الزوجان خارجَ الكوخ، فنزل على حسامٍ طائرٌ كالعنقاء حادُّ النظرِ وعيناهُ كلهب تشتعلان، وأمسكَه بمخالبه وارتفعَ فتمسّكَت رشا بزوجها محاولةً إنقاذَه لكنها سقطت في الماء الذي أصبح كالبحر بأمواجه المتلاطمة العالية، وكلما نزل في قاع البركة تحوّلَ أكثر إلى ضفدعة حتى أصبح ضفدعةً بجناحٍ مزدوجٍ طويل.
ماتزالُ رشا تتحوّلُ، وهي تشعرُ كأن سكاكينَ تقطعُ جسمَها فقد التهمَتها البركةُ في ثوانٍ وهي تصرخُ وتبكي وتنوحُ: قلبي يحترقُ وجسمي يتقطّعُ، أرجوك ياحسامُ سامِحني، أنا أعتذرُ، وما نفعُ الكلام وقد ظلمتُكَ معي؟ سقطت في القاع كضفدعةٍ فردّت عليها سمكةٌ حزينةٌ بائسةٌ: أغلبُنا بشرٌ وحوّلَنا الماردُ للأبد إلى هذا الشكل , صاحَ بها ذاك الضفدعُ السّمينُ من على الحجارة وحدّقَ فيها بعينه البارزةِ الحزينةِ قائلاً:
حاولتُ تحذيرَكِ ولم ينفعْ! فها أنتِ هنا وبعد أربعةٍ وعشرين ساعةِ حبسٍ في قاع البركة ستخرجين كضفدعةٍ طائرةٍ مثلي، تخدمينَ الجزيرةَ وتكونينَ عبدةً لماردنا الملك حفيظ!
صرخت بحسرة ورعب باكيةً: لا ، يا الله أنقِذنا!
ارتفعَت قليلاً ونظرَت الحيواناتُ إليها باستغراب.

التعليقات